أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

91

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

واعلم أن « لا » لفظ مشترك بين النفي وهي فيه على قسمين : قسم تنفي فيه الجنس فتعمل عمل « إن » كما تقدم ، وقسم تنفي فيه الوحدة وتعمل حينئذ عمل ليس ، وبين النهي والدعاء فتجزم فعلا واحدا ، وقد تجيء زيادة كما تقدم في وَلَا الضَّالِّينَ « 1 » . و ذلِكَ اسم إشارة : الاسم منه « ذا » واللام للبعد ، والكاف للخطاب ، وله ثلاث رتب : دنيا ولها المجرد من اللام والكاف نحو : ذا وذي وهذا وهذي ، ووسطى ولها المتصل بحرف الخطاب نحو : ذاك وذيك وتيك ، وقصوى ولها المتصل باللام والكاف نحو : ذلك وتلك ، ولا يجوز أن يؤتى باللام إلا مع الكاف ، ويجوز دخول حرف التنبيه على سائر أسماء الإشارة إلا مع اللام فيمتنع للطول ، وبعض النحويين لم يذكر له إلا رتبتين : دنيا وغيرها . واختلف النحويون في ذا : هل هو ثلاثي الوضع أم أصله حرف واحد ؟ الأول قول البصريين . ثم اختلفوا : هل عينه ولامه ياء فيكون من باب حيي أو عينه واو ولامه ياء فيكون من باب طويت ، ثم حذفت لامه تخفيفا وقلبت العين ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وهذا كله على سبيل التمرين ، وإلا فهذا مبنى والمبنى لا يدخله تصريف . وإنما جيء هنا بإشارة البعيد تعظيما للمشار إليه ومنه : 99 - أقول له والرّمح يأطر متنه * تأمّل خفافا إنّني أنا ذلكا « 2 » أو لأنه لما نزل من السماء إلى الأرض أشير إليه بإشارة البعيد « أو لأنه كان موعودا به نبيه عليه السّلام أو أنه أشير به إلى ما قضاه وقدره في اللوح المحفوظ ، وفي عبارة المفسرين أشير بذلك للغائب يعنون البعيد ، وإلا فالمشار إليه لا يكون إلا حاضرا ذهنا أو حسا ، فعبروا عن الحاضر ذهنا بالغائب أي حسا ، وتحرير القول ما ذكرته لك » . والكتاب في الأصل مصدر قال تعالى : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ « 3 » وقد يراد به المكتوب قال : 100 - بشّرت عيالي إذ رأيت صحيفة * أتتك من الحجّاج يتلى كتابها « 4 » ومثله : 101 - تؤمّل رجعة منّي وفيها * كتاب مثل ما لصق الغراء « 5 » وأصل هذه المادة الدلالة على الجمع ، ومنه كتيبة الجيش وكتبت القربة : خرزتها والكتبة - بضم الكاف - الخرزة والجمع كتب قال : 102 - وفراء غرفيّة أثأى خوارزها * مشلشل ضيّعته بينها الكتب « 6 »

--> ( 1 ) سورة الفاتحة ، آية ( 7 ) . ( 2 ) البيت لخفاف بن ندبة . انظر الأغاني ( 2 / 129 ) ، الخزانة ( 2 / 471 ) ، معاني القرآن للزجاج ( 1 / 29 ) . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 24 ) . ( 4 ) انظر البيت في معاني الفراء ( 1 / 212 ) ، البحر ( 2 / 447 ) . انظر الطبري ( 6 / 368 ) ، القرطبي ( 4 / 49 ) . ( 5 ) البيت لمسلم بن معبد الوالبي . الخزانة ( 1 / 365 ) ، الطبري ( 1 / 97 ) ، القرطبي ( 1 / 112 ) . وتنصب « مثل » على أنه بيان لحال المفعول المطلق المحذوف ، وتقديره : « كتاب لاصق لصوقا مثل ما لصق الغراء » . ( 6 ) البيت لذي الرمة . انظر ديوانه ( 11 ) ، القرطبي ( 1 / 112 ) .